أحمد بن علي القلقشندي

86

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

يوسف بن أيّوب ، سيّرها صحبة الأمير شمس الدين الخطيب : أحد أمراء الدولة الصلاحية إلى أبواب الخلافة ببغداد في خلافة الناصر لدين اللَّه ، وهي : تذكرة مباركة ، ولم تزل الذّكرى للمؤمنين نافعة ، ولعوارض الشكّ دافعة ، ضمّنت أغراضا يقيّدها الكتاب ، إلى أن يطلقها الخطاب . على أن السائر سيّار البيان ، والرسول يمضي على رسل التبيان ؛ واللَّه سبحانه يسدّده قائلا وفاعلا ، ويحفظه بادئا وعائدا ومقيما وراحلا . الأمير الفقيه شمس الدين خطيب الخطباء - أدام اللَّه نعمته ، وكتب سلامته ، وأحسن صحابته - يتوجّه بعد الاستخارة ويقصد دار السلام ، والخطَّة التي هي عشّ بيضة الإسلام ، ومجتمع رجاء الرّجال ، ومتّسع رحاب الرّحال ؛ فإذا نظر تلك الدار الدارّ سحابها ، وشافه بالنظر معالم ذلك الحرم المحرّم على الخطوب خطابها ، ووقف أمام تلك المواقف التي تحسد الأرجل عليها الرّؤوس ، وقام بتلك المنازل التي تنافس الأجسام فيها النّفوس - فلو استطاعت لزارت الأرواح محرمة من أجسادها ، وطافت بكعبتها متجرّدة من أغمادها - فليمطر الأرض هناك عنّا قبلا تخضّلها ، بأعداد لا نحصّلها ؛ وليسلَّم عليها سلاما نعتدّه من شعائر الدين اللازمة ، وسنن الإسلام القائمة ، وليورد عنا تحيّة يستنزلها من عند اللَّه تحية مباركة طيّبة ، وصلاة تخترق أنوارها الأستار المحجّبة ، وليصافح عنّا بوجهه صفحة الثّرى ، وليستشرف عنّا بنظره فقد ظفر بصباح السّرى ، وليستلم الأركان الشريفة ، فإن الدّين إليها مستند ، وليستدم الملاحظات اللَّطيفة ، فإنّ النّور منها مستمدّ ؛ وإذا قضى التسليم وحقّ اللقاء ، واستدعى الإخلاص جهد الدعاء ، فليعد وليعد حوادث ما كانت حديثا يفترى ، وجواري أمور إن قال منها كثيرا فأكثر منه ما جرى ، وليشرح صدرا منها لعلَّه يشرح منا صدرا ، وليوضّح الأحوال المستسرة فإنّ اللَّه لا يعبد سرّا : ومن الغرائب أن تسير غرائب في الأرض لم يعلم بها المأمول كالعيس أقتل ما يكون لها الظَّما ( 1 ) والماء فوق ظهورها محمول

--> ( 1 ) في روايات أخرى . : كالعيس في البيداء يقتلها الظما الخ .